بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعلمت من ابن عثيمين (10)
للشيخ: عمر بن عبد الله المقبل

المعْلمُ الحادي عشر: التواضع:

وهذا ـ أيضاً ـ مما اشتهر عن الشيخ: ، وله في ذلك مواقف عديدة!

وقد يقول قائل، أوليس هذا أمراً واجباً؟ أوليس الكبرُ محرماً؟ فالجواب بلى، لكن مرادي هنا التنويه بمزيد من هذا الخلق عند شيخنا ـ رحمه الله ـ، ولأن التواضع إذا صدر من الكبار له وقْعُه وأثره، كما أنه يُزْدرى شرعاً وعقلاً إذا صدر الكبر من غير من يتوقع منهم، فمن الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة: "عائل مستكبر"([1]).

وأذكرها هنا مواقف مختصرة جداً، تناسب طبيعة هذه المقالات:

1 ـ ذات مرة كان الشيخ يسير في الشارع فدعاه أحد الشباب ـ وعمره أربعة عشر عاماً ـ لتناول القهوة في منزله، فدخل الشيخ معه، وسأله عن دراسته ثم خرج.

2 ـ رأيتُ الشيخ مراراً يركب سيارات بسيطة جداً، لا يركبها بعضُ الناس الذين يشعرون بشيء من الوجاهة أو المكانة، أما شيخنا ـ رحمه الله ـ فلم يكن ممن يبالي بهذه الأشياء.

3 ـ وأما في تواضعه في معاملته للناس، فهذا له مواقف وصور كثيرة منها:

أ ـ مع الأطفال: وهذا أمر معروف عن شيخنا: فهو لا يملك مشاعره تجاههم، حتى قال بعض الأخوة: إنني إذا كانت لدي حاجة عند الشيخ، وظننت أن الشيخ سيعتذر لضيق وقته أو نحو ذلك؛ ذهبت بأولادي كالشفعاء بين يدي حاجتي([2]).

- ذات مرة ذهب أحد الإخوة ليصلي مع الشيخ للسلام عليه عقب وصوله من أحد الأسفار، فاصطحب معه أحد أطفاله، فلما سلم الشيخ من فريضته قام هذا الأخ ليصلي راتبة تلك الفريضة، وكان من عادة الشيخ أن يصلي الراتبة في البيت، فلما هم الشيخ بالإنصراف ـ في الوقت الذي كان فيه ذلك الأخ يصلي ـ ذهب الطفل إلى الشيخ ودخل في غمرة الناس، وقال له والدي يريدك! وأمسك بثوب الشيخ حتى جاء به إلى مكان أبيه الذي يصلي فيه الراتبة، فلم يفاجأ إلا والشيخ قائم على رأسه والطفل ممسك بالشيخ، فقام وقبّل رأسه، واعتذر من الشيخ، وبين له أن هذا من تصرف الطفل.

- وكم رأيتُه مراراً يعطي طفلة تقف عند باب الجامع بشكل متكرر ريالاً، ولربما مازحها وقال: تريدن ريالاً جديداً أو قديماً؟ ثم تقول له: أعطني لأخي، فيعطيها وهو مبتسم منشرح الصدر!

ب ـ مع عامة الناس: ومواقفه معهم كثيرة وفي بعضها طرافة، أذكر منها:

1 ـ ما حدّثني به د.علي بن إبراهيم اليحيى([3]) أن الشيخ ـ رحمه الله ـ حدّثه فقال: كنتُ في مكة في يوم من الأيام، فركبتُ مع سائق أجرة، وكان هذا السائق من الأعراب، فلما ركب الشيخ معهُ أخذ يُمازحه ويسأله، فسأل السائقُ الشيخَ: من أنت؟ فقال الشيخ: أنا محمد ابن عثيمين! فقال له الشيخ، ومن الأخ؟ فأجابه السائق جواب الذي يظن أن الشيخ يسخر منه: معك عبد العزيز ابن باز! فقال الشيخ: أقول لك أنا محمد بن عُثيمين، فأصر السائق على جوابه قائلاً: معك عبدالعزيز ابن باز، فقال له


الشيخ ـ لما رأى إصراره ـ قال: الشيخ ابن باز ما يشوف (لا يبصر) فكيف يسوق السيارة؟ فالسائق عرف من الشيخ أنه جادٌ فأُحْرِجَ هذا السائق من لطف الشيخ وتواضعه. شيخ يُباسطه ويمازحه.

وتأمل كم في هذا الموقف من دلالة على تواضع الشيخ! فقد تبسط مع هذا السائق هذا التبسط، وكيف ركب هذه السيارة البسيطة مع أنه كان بإمكانه أن يطلب موكبًا رسميًّا ولكبار الضيوف، لكن الشيخ ما كان يبالي بهذه الأشياء أصلاً، لم تكن تخطر له على بال.

2 ـ أما موقفه مع العامة الذين قد يتصرف أحدهم تصرفا يظهر للشيخ منه حسن القصد، فإن الشيخ لا يعنفه ولا يوبخه، بل يتعامل معه بكل رفق، وأذكره مرة أننا في الدرس، فجاء رجل عامي رث الهيئة، فتخطى الصفوف، حتى وصل إلى الشيخ في مجلس درسه وأعطاه حزمة من السواك، فشكره الشيخ ووزع السواك على أقرب الطلبة، ولم يقل له شيئا، رغم أن هذا الرجل قطع الدرس، وهذا من أكثر ما يغضب الشيخ ـ رحمه الله ـ. وللحديث صلةٌ إن شاء الله.
----------------------

[1] ) صحيح مسلم ح (107).

[2]) مقال للأستاذ سامي الغرير في جريدة الجزيرة ، بعنوان ( الجوانب الإنسانية عند الشيخ ) بتاريخ 22/10/1421هـ.

[3]) عضو هيئة التدريس ـ سابقاً ـ في قسم السنة وعلومها بكلية الشريعة.