الخطبة الأولى

اللهم لك الحمد، حمداً كثيرا طيبا مبارك فيه، كما تحب ربنا وترضاه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب غيره، ولا معبود بحق سواه، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - تسليمًا كثيرا إلى يوم الدين.
يا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فلن ينجيكم أمام الله إلا التقوى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم
يا عباد الله: الورع، وأعظم الورع إحسان الفرائض الكف عن المحارم ومراقبة الله - عز وجل -.
واعلموا أن أنفع كلام كلام ربكم - جل وعلا -، وأحسن هدي هدي رسولكم - صلى الله عليه وسلم -.
واعلموا أن شر الأمور محدثاتها، وأن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة.
معاشر الموحدين، إخواني في الله: في ختام أيام فاضلة قد يسر الله لكم فيها العبادة من صلاة وصيام وقراءة قرآن ونفقة فإن مما يحسن التذاكر به بين الإخوان أن العبد إذا أراد أن يختبر نفسه هل نفعه الله بهذه العبادة فلينظر في موقفه من حق الله - جل وعلا - فإن الله له حق، فإن كان يغضب لغضب الله ويرضى لرضا الله ولا يداهن في دين الله ولا يبتغي برضا الله بدلا فإن الله قد نفعه بعبادته وإن لله فيه حاجة أن يكون من أوليائه، وإذا كان يتعبد، ثم لا يبالي بحق الله إذا ضاع أو أهين أو انتهك ويجامل في دين الله ويداهن في دين الله ولا يغضب لغضب الله فبئس العبد هو بئس العبد هو.
يا عباد الله: يقول ربكم - جل وعلا - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف/14]، يستنصركم ربكم وهو القوي العزيز - جل وعلا - حتى يظهر منكم عبادات يحبها من الغضب له - جل وعلا -، وقص الله علينا في كتابه خبر أوليائه وأنبيائه أنهم كانوا يغضبون لغضبه:
هذا خليله إبراهيم - عليه السلام - لما رأى حد الله ضائعا ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات/99]،
وهذا موسى - عليه السلام - لما رأى حق الله ضائعا وعاد إلى قومه وقد عبدوا العجل ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، غضب لله غضب عظيما.
وهذا محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفوه لنا فقالوا: لم يغضب لنفسه قط فإذا انتهكت لله حرمة لا يقوم لغضبه أحد.
وهؤلاء أصحابه - رضي الله عنهم - وصفوهم لنا فقالوا: (كانوا يتضاحكون ويتمازحون فإذا انتهكت لله حرمة عادوا كأنهم مجانين غضبا لله - جل وعلا -).
وهذا الصديق - رضي الله عنه - يوصي عمر لما حضرته الوفاة ويقول (يا عمر إن لله حقا في الليل لا يريده في النهار وإن لله حقا في النهار) لا يريده في الليل لله حق في كل مجلس وفي كل موضع لا يريد تأخيره (يا عمر إن الحق ثقيل وحري بميزان يوضع فيه الحق أن يثقل هذا الميزان،وإن الباطل خفيف والباطل كل ما لم يرد به وجه الله) أو لم يكن على السنة وحري بميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا يوم القيامة ولو كثرت الأعمال، وهذا علي - رضي الله عنه - يقول الجهاد أربع شعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنئان الفاسقين، فأما من أمر بمعروف فقد شد ظهر المؤمن ومن نهى عن منكر فقد أرغم أنف المنافق ومن صدق في المواطن فقد قضى ما عليه، ومن شنأ الفاسقين وأغضبهم وهجرهم لله فهذا رجل غضب لله يغضب الله له ويدافع عنه ويحبه. فهكذا فكونوا.
عباد الله: وهذا أبو الدرداء - رضي الله عنه - يقول أنك لم تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله - عز وجل - فيما أضاعوا من حقه، ثم ترجع إلى نفسك فتكون أشد لها مقتا لأنها ضيعت حق الله، كم من موطن لم تغضب فيه لله وتريد من الله الغضب لها؟ وهذا حذيفة - رضي الله عنه - (يقول إن العبد ليدخل المدخل أو يجلس المجلس يجب عليه أن يتكلم لله فلا يتكلم فلا يعود قلبه، كما كان أبدا)، فلا يتكلم فلا يعود قلبه، كما كان أبدا.
قال يوسف للأسباط: (تحدث بهذا الأثر أبا إسحاق الفزاري لما رجع من عند الخليفة فبكى بكاءا شديدا).
وهذا عباد الله: المسور يقول عمرو بن شداد الليثي: (صليت صلاة كصلاة الشباب كنقر الديك وبجانبي المسور بن مخرمة - رضي الله عنه - شيخ كبير فأخذ يزحف حتى جاء بجانبي وقال قم فصلي، قلت صليت رحمك الله، قال: كذبت ما صليت هذه نقر الديك والله لا تبرح من هذا المكان حتى تصلي، فما أطلقه حتى صلى، ثم قال والله لا تعصون الله ونحن ننظر ما استطعنا، قال سفيان أرى أنه لا يسع إلا ذلك إذا رأيت حق الله مضاعا).
يا عباد الله: كم من حق مضاع في المساجد؟ كم من حق مضاع في المجالس؟ كم من حق لله مضاع في البيوت؟ حتى حق الوالدين إذا تعاظم مع حق الله سقط حق الوالدين ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان/15]،
وحق الأولاد قال الله: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود/46]،
كم من بيوت ملئت بالشباب لا يحضرون الصلاة مع الجماعة وأبوهم يصلي ولا يغضب لله، هل نفعته صلاته؟ لا يغضب لله وهم أولاده يغضب عليهم في وظائفهم ودراستهم، وأما صلاة الجماعة فالله المستعان.
فيا عباد الله: كما قال أبو الدرداء عودوا على أنفسكم فكونوا أشد لها مقتا، كم من حق لله ضيعناه؟ إن الله لا يغضب إلا لمن غضب له ووالى فيه وعادى فيه وأعطى له ومنع له، كما قال ابن عباس: (ولن يكون عبد وليا لله وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك).
قال أويس القرني - رحمه الله - الذي زكاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو لم يره قال: (إذا قمنا بحق الله لم يدع الحق لنا صديقا، ها نحن نأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر فيتخذوننا أعداءا ويجدون من الفساق أعوانا، والله لا ندع القيام بحق الله ولو عادانا من على ظهرها)، هذا الذي زكاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر أصحابه أن يأمروه أن يستغفر لهم، كان قواما بأمر الله.
يا عباد الله: جاء في بعض الآثار أن الله يقول لبعض الزهاد العباد في الدنيا، أما زهدك فتعجلت به الراحة، وأما عبادتك فأورثتك العز في الدنيا وانقطاع الناس إليك، ولكن أين حقي؟ أين حقي؟
وأوحى الله إلى يوشع بن نون إني مهلك من قومك مائة ألف ستون ألفا من أشرارهم وأربعون ألفا من خيارهم، (قال يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال إنهم لا يغضبون لغضبي، يؤاكلونهم يشاربونهم)، وأوحى الله إلى جبريل أن دمر هذه القرية فإذا فيها رجل يصلي عابد قال يا ربي فيها عبدك فلان قال به فابدأ، فإنه وجه لا يتمعر في قط، وأخبرنا - صلى الله عليه وسلم - عن بني إسرائيل أن الرجل يلقى الرجل فينهاه، ثم إذا كان من الغد آكله وجالسه وشاربه إنما نهاه تعبيرا فلما رأى الله ذلك منهم رغب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم.
فيا عباد الله: كونوا أنصار الله، يا عباد الله: اغضبوا لله حتى يدافع عنكم وحتى يرحمكم وحتى يصطفيكم أولياء.
اغضبوا لله، اهجروا أهل المعاصي ولو أن تهجر نفسك في ذات الله وولدك وأقاربك وخاصة في أمور عظام، أناس لا يصلون أو لا يحضرون الصلاة مع الجماعة أو يؤخرون الفجر إلى شروق الشمس، ثم لا يجدون منكر ولا مغير ولا وجه مكفهرا؟ متى يرجع؟ متى يعود؟ لم يفقد صديقا ولم يفقد جنابا لينا متى ينتبه؟، اللهم أعنا على القيام بحقك، اللهم نعوذ بك أن تمقتنا، اللهم إنا أكثر شيء ضائع هذه الأيام عند الخاصة والعامة هو حقك. أما حقوق الناس فإنهم لا يضيعون منها شيئا.
اللهم لا تمقتنا، اللهم لا تمقتنا، اللهم أعنا على القيام بحقك والغضب لك يا رب العالمين، اللهم من حقك التوحيد ومن حقك الصلاة ومن حقك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيا إله الحق أعنا على ذلك واجعلنا من عبادك المصطفين الأخيار واجعلنا من أوالي الأيدي والأبصار وأخلصنا بخالصة ذكرى الدار، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - تسليمًا كثيرا،
عباد الله: ومن حق الله في هذا الشهر وفي كل مكان، ولكن الصحابة كانوا يخرجونه في هذا الشهر زكاة الله في المال، حق الله في المال.
يا عباد الله: إن من ترك الزكاة كافر على أصح أقوال الصحابة والعلماء، من تركها بخلا وتهاونا لا جحودا فإنه كافر، هي والله قرينة الصلاة في كتاب الله في أكثر من ثمانين موضعا هي التي قال الله فيها ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾....[فصلت/7]
وقال الله ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف/156]
وقال الله ﴿فَإِنْ تَابُوا أي من الشرك وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾...[ التوبة/11]
وقال الله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾... [البينة/5]،
عباد الله: بعض الناس يظن الزكاة على الأغنياء لا والله، كل مال بلغ النصاب وحال عليه الحول وإن كان مرصدا لدين أو لزواج أو لبناء بيت أو لأي أمر ضروري فأي مال جاوز المصاب ومضى عليه الحول يجب عليه حق لله - عز وجل -.
والنصاب يا عباد الله: ما ساوى ثمانين جراما من الذهب أو ستمائة إلا خمسة من الفضة أيهما سبق وجبت الزكاة في المال، أيا كان نيته حتى أموال الأيتام والفقراء أي مال جاوز النصاب وحال عليه الحول لا تشترط له التجارة.
فيا عباد الله: تفقدوا أنفسكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم.
يا عباد الله: ومن الناس من لا يعطيها مستحقها وإن الزكاة لا تحل ولا تبرأ الذمة حتى تصرف للمصارف الثمانية التي ذكرها الله فإن الله لم يرضى في قسمة الزكاة بملك مقرب ولا نبي مرسل حتى قسمها بنفسه.
يا عباد الله: يقول الإمام أحمد - رحمه الله - نقلا عن السلف: الزكاة لا يحابى بها القريب ولا تدفع بها المذمة ولا يوقى بها المال، لا يحابى بها القريب، فبعض الناس لا تطيب نفسه أن تخرج الزكاة منه فيبحث عن أقارب لا يستحقون، ثم يعطيهم ويتهاون في الشروط حتى لا يذهب ماله بعيدا وحتى يكسب الثناء بذلك، خاب وخسر بل إن بعض العلماء قال معنى لا يحابى بها القريب أي إن كان هناك من هو أحوج وأحق بهذه الزكاة من القريب فهو أولى، هكذا فسر والله أعلم أي المعنيين والأمر على كليهما خطر، ومعنى لا تدفع بها المذمة أيضا أن تعطي من لايستحق حتى لا يذمك أو تعطي من يجب عليك الإنفاق عليه ومعنى لا يوقى بها المال ما يفعله كثير من الناس إذا كان دائنا خصم الزكاة من أقساط المدين وقال هذا من الغارمين، هذا لا يحل الزكاة لا بد أن تخرج لا أن تخصم، تخرج لحق الله.
فيا عباد الله: طيبوا بها نفسا فالمال مال الله وأنتم مستخلفون فيه وتفقهوا فيها واعلموا أن الله سائلكم عنها وأنها من حقه المضيع.
يا عباد الله: وزكاة الفطر رحمة من الله لكم طهرة لكم من لغوكم ورفثكم وتماما لصيامكم وشر لله فأدوها لمستحقها طعاما لا دراهم وأعطوها بأنفسكم من يستحق وطيبوا بها نفسا وافرحوا بها.
عباد الله: كونوا أنصار الله، عباد الله: اغضبوا لغضب الله تفلحوا ارضوا لرضا الله تفلحوا، لا يصدنكم عن الحق قريب أو بعيد، أو هوى أو عاطفة أو ولد أو والد فحق الله أعظم حق الله أعظم، هو الذي خلقكم ورزقكم وإليه ترجعون.
اللهم إنا نسألك قلوبا سليمة وألسن صادقة وأنفس زكية وأخلاقا حسنة ومطعما حلالا ودعوة مجابة وعلما نافعا وعملا متقبلا صالحا وذرية طيبة ونية صالحة وحياة في عافية وتوبة قبل الموت وراحة بعد الموت يا إله الحق في هذا الجمع الطيب وفي هذا اليوم المبارك وفي هذه الساعة، اللهم لا تردنا خائبين، اللهم اختم لنا شهرنا برضوانك والعتق من نيرانك، اللهم نور بصائرنا، اللهم اشرح صدورنا، اللهم شد ظهورنا، اللهم ثبت أقدامنا، اللهم اجعلنا من خاصة أوليائك الغاضبين لغضبك الراضين لرضاك الذي أكبر همهم القيام بحقك يا رب العالمين حتى يكونوا عبيدك حقا، اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين، اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها، اللهم نسألك إيمانا لا يرتد ونعيما لا ينفذ ومرافقة نبيك في أعلى درجات الخلد.اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد.